يستخدم الناس كلمة محكم كثيرًا عند الحديث عن فضّ النزاعات خارج المحاكم، لكن الاستخدام الأدق في سياق التحكيم هو: المُحكَّم (الشخص الذي يفصل في النزاع). وفهم معنى محكم في هذا السياق ليس مسألة لغوية فقط، بل يترتب عليه آثار عملية تمسّ صحة إجراءات التحكيم، وقوة قرار التحكيم، وكيفية اختيار المُحكَّم، وحدود صلاحياته، وواجباته من حيث الحياد والإفصاح والسرية. في هذا المقال نركّز على كلمة محكم بمعناها التحكيمي دون توسّع خارج الموضوع، وبأسلوب يهمّ صاحب العمل والمستشار القانوني وكل من يوقّع عقدًا يتضمن شرط تحكيم.
ماذا ستقرأ في هذا المقال؟
-
ما المقصود بـ المُحكَّم في التحكيم؟ وما الفرق بينه وبين القاضي؟
-
كيف يُعيَّن المُحكَّم؟ وما شروط الحياد والاستقلال والإفصاح؟
-
ما حدود صلاحيات المُحكَّم؟ ومتى يكون القرار قابلًا للإبطال؟
-
كيف تكتب شرط التحكيم بشكل صحيح لتجنب بطلان الإجراءات؟
-
أسئلة شائعة عملية حول المحكم والرسوم واللغة والمكان والسرية
نبذة عن إدارة مكتب محمد المزين للمحاماة والتحكيم
تأسس مكتب محمد المزين للمحاماة على يد المحامي والمحكَّم محمد المزيّن العضو الاساسي في الهيئة السعودية للمحامين وعضو المجمع الملكي البريطاني للمحكمين بخبرة مهنية تمتد لأكثر من خمسة عشر عامًا في المجال القانوني. ويختص المكتب بقضايا المقاولات، والنزاعات الإنشائية، والعقود الحكومية، وعقود الامتياز التجاري، إضافة إلى تقديم الاستشارات القانونية للشركات بمختلف قطاعاتها. كما يحمل الأستاذ محمد المزيّن درجة البكالوريوس في الحقوق من جامعة الملك سعود بالرياض عام 2009م.
ما معنى “محكم” في سياق التحكيم؟
الجواب: المقصود عمليًا هو المُحكَّم: شخص أو هيئة يختارها الأطراف للفصل في نزاع ناشئ عن عقد أو علاقة قانونية، بديلاً عن نظر النزاع أمام المحاكم. ويصدر المُحكَّم قرار تحكيم يُنهي الخصومة وفق ما اتفق عليه الأطراف وما يجيزه النظام.
ولمنع الالتباس:
-
محكم (وصف) قد تُقال بمعنى “قرار محكم” أي متين الأسباب ومنضبط.
-
مُحكَّم (شخص) هو الذي يباشر مهمة الفصل في النزاع داخل التحكيم.
هل المُحكَّم مثل القاضي؟ وما الفرق بين التحكيم والقضاء؟
الجواب: يشترك المُحكَّم والقاضي في أن كليهما يفصل في نزاع، لكن الاختلاف جوهري في المصدر والإجراءات:
-
مصدر السلطة: القاضي يستمد ولايته من الدولة والنظام مباشرة. أما المُحكَّم فتأتي ولايته أساسًا من اتفاق الأطراف على التحكيم وتعيينه وفق ما يقرره النظام.
-
المرونة الإجرائية: التحكيم يمنح الأطراف مساحة أكبر لتحديد القواعد الإجرائية (المكان، اللغة، عدد المُحكَّمين، المواعيد، آلية تبادل المذكرات).
-
السرية: التحكيم غالبًا أكثر سرية من القضاء، وهذا مهم للنزاعات التجارية.
-
الخبرة الفنية: يمكن للأطراف اختيار مُحكَّم لديه خبرة متخصصة (مثل نزاعات المقاولات أو الطاقة أو العقود الهندسية).
هذه الفروق تجعل كلمة “محكم” في التحكيم مرتبطة مباشرة بفكرة: “اختيار جهة فصل خاصة متخصصة وفق اتفاق”.
ما شروط المُحكَّم: الحياد والاستقلال والإفصاح
الجواب: أهم ما يطلبه النظام والمنطق التحكيمي هو الحياد والاستقلال. الحياد يعني أن المُحكَّم لا يميل لطرف على حساب آخر، والاستقلال يعني عدم وجود علاقة أو مصلحة أو ارتباط مؤثر يضعف الثقة في عدالته.
ولهذا تظهر فكرة الإفصاح: على المُحكَّم أن يصرّح منذ البداية—وطوال الإجراءات إذا استجدّ شيء—عن أي ظروف قد تثير شكًا مشروعًا حول حياده أو استقلاله. لأن التحكيم يقوم على الثقة؛ فإذا اهتزت الثقة، تعرّضت الإجراءات للطعن.
نصيحة عملية: قبل قبول المهمة، يراجع المُحكَّم علاقاته السابقة مع الأطراف أو وكلائهم أو الخبراء أو الشركات ذات الصلة، ويُجري إفصاحًا مهنيًا واضحًا.
الاستشارة القانونية
للحصول على استشارة قانونية متخصصة في قضايا الشركات أو النزاعات التجارية، يمكنك التواصل مع مكتب المحامي محمد المزيّن هاتف رقم 0590098800 .
كيف يتم تعيين المُحكَّم؟ وهل يختاره الأطراف دائمًا؟
الجواب: التعيين يتم غالبًا عبر ثلاثة مسارات:
-
تعيين مباشر في العقد: يحدد العقد اسم المُحكَّم أو آلية التعيين (مثل: “يعيّن كل طرف مُحكَّمًا ويختار المحكمان رئيس الهيئة”).
-
التعيين عبر مركز تحكيم: إذا اتفق الأطراف على تحكيم مؤسسي، يتولى المركز إجراءات التعيين وفق قواعده عند تعذر الاتفاق.
-
التعيين عند الخلاف: إذا اختلف الأطراف على التعيين أو امتنع أحدهم، قد تتدخل الجهة المختصة بحسب ما يسمح به النظام لتلافي تعطيل التحكيم.
قاعدة ذهبية: أفضل طريقة لتجنب “تعطيل التعيين” هي كتابة آلية واضحة ومحددة في شرط التحكيم منذ البداية.
ما صلاحيات المُحكَّم وحدودها؟
الجواب: للمُحكَّم صلاحيات إجرائية وموضوعية داخل نطاق التحكيم، أهمها:
-
إدارة الجلسات والمواعيد وتبادل المذكرات والمستندات.
-
الفصل في الطلبات الإجرائية (التأجيل، ضمّ طلبات، سماع شهود، ندب خبير… بحسب القواعد المتفق عليها).
-
تقدير الأدلة وترجيحها.
-
إصدار قرار تحكيم في موضوع النزاع.
لكن هذه الصلاحيات ليست مطلقة، وحدودها تظهر في نقطتين:
-
حدود الاتفاق: لا يحق للمُحكَّم تجاوز ما اتفق عليه الأطراف من نطاق التحكيم أو موضوعه.
-
حدود النظام والضمانات: يجب احترام مبدأ المواجهة وحق الدفاع والمساواة بين الأطراف، وإتاحة الفرصة لتقديم الدفوع.
أي خلل كبير في هذه الحدود قد يفتح باب طلب الإبطال.
متى يتعرض قرار التحكيم للبطلان أو الإبطال؟
الجواب: لا يُبطل القرار لمجرد أن طرفًا لم يعجبه، بل ترتبط أسباب الإبطال عادةً بعيوب جوهرية، مثل:
-
عدم وجود اتفاق تحكيم صحيح أو وجود عيب مؤثر فيه.
-
تشكيل هيئة التحكيم أو تعيين المُحكَّم على نحو مخالف للاتفاق أو للقواعد الواجبة التطبيق.
-
الإخلال بحق الدفاع أو عدم تمكين أحد الأطراف من عرض قضيته.
-
فصل المُحكَّم في مسائل خارج نطاق الاتفاق.
-
وجود شبهة مؤثرة تمس الحياد والاستقلال ولم تُعالج وفق الأصول.
-
مخالفة جوهرية للنظام العام.
الخلاصة العملية: قوة قرار التحكيم تبدأ من لحظة صياغة شرط التحكيم واختيار المُحكَّم وإدارة الإجراءات بإنصاف.
كيف تكتب شرط التحكيم بشكل “محكم” لتجنب النزاع حوله؟
الجواب: شرط التحكيم هو البوابة. إذا صيغ بعبارات عامة أو متناقضة، يبدأ نزاع جديد حول “كيف نتحاكم” بدل “ما أصل النزاع”. ولتجنب ذلك، اجعل الشرط واضحًا في النقاط التالية:
-
نوع التحكيم: هل هو تحكيم مؤسسي (عبر مركز) أم حرّ (غير مؤسسي)؟
-
عدد المُحكَّمين: واحد أم ثلاثة؟ وكيف يتم تعيينهم؟
-
المكان واللغة: تحديد مقر التحكيم ولغة الإجراءات يقلل الخلافات.
-
القواعد الإجرائية: هل تُطبق قواعد مركز معيّن؟ أم قواعد متفق عليها؟
-
نطاق النزاع: “كل نزاع ينشأ عن العقد أو يتعلق به” صياغة شائعة، لكن يمكن تضييقها أو توسيعها بحسب الحاجة.
-
السرية وتبادل المستندات: إضافة بند السرية مفيد في النزاعات التجارية.
مكان رابط داخلي مقترح: ضع رابطًا إلى صفحة: “صياغة شرط التحكيم في العقود التجارية”.
هل يحتاج المُحكَّم لخبرة قانونية دائمًا؟
الجواب: ليس شرطًا أن يكون المُحكَّم محاميًا في كل الأحوال، لكن الأفضل أن يجمع بين:
-
فهم قانوني جيد لضمان سلامة الإجراءات وصياغة القرار.
-
خبرة فنية إذا كان النزاع متخصصًا (هندسي، إنشائي، محاسبي…).
وفي بعض النزاعات، تُشكَّل هيئة من ثلاثة: أحدهم قانوني (غالبًا الرئيس) واثنان بخلفية فنية أو تجارية، لتحقيق التوازن بين سلامة الشكل وعمق الموضوع.
ما دور السرية في التحكيم؟ وهل تشمل كل شيء؟
الجواب: السرية من مزايا التحكيم التجاري، لكنها ليست مطلقة دائمًا. عمليًا، تشمل غالبًا:
-
المستندات المتبادلة والمذكرات والمرافعات.
-
ما يدور في الجلسات.
-
تفاصيل النزاع التجارية الحساسة.
ومع ذلك، قد تظهر استثناءات بحسب النظام أو حاجة التنفيذ أو متطلبات الإفصاح النظامية لبعض الشركات. لذلك يُستحسن تنظيم السرية صراحة في اتفاق التحكيم أو قواعد المركز.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
1) هل يمكن عزل المُحكَّم بعد تعيينه؟
نعم، يمكن طلب ردّ المُحكَّم أو عزله إذا وُجدت أسباب جدّية تمس الحياد أو الاستقلال (مثل وجود مصلحة أو علاقة مؤثرة لم يُفصح عنها)، أو إذا وقع منه إخلال جوهري بواجباته الإجرائية التي تؤثر على عدالة الإجراءات. ويتم ذلك وفق قواعد الجهة/المركز المتفق عليه أو وفق ما يقرره النظام الإجرائي المطبق.
2) هل قرار التحكيم نهائي مثل الحكم؟
قرار التحكيم يفصل في النزاع وينهيه من حيث الأصل ويُعد ملزمًا للطرفين.
لكن لا يوجد “استئناف موضوعي” بالمعنى المعتاد غالبًا، وإنما يوجد طريق محدد هو دعوى/طلب الإبطال لأسباب محصورة (مثل بطلان اتفاق التحكيم، أو مخالفة حق الدفاع، أو تجاوز الهيئة لنطاق الاتفاق، أو عيب في تشكيل الهيئة…).
3) ما الأفضل: مُحكَّم واحد أم ثلاثة؟
يعتمد على قيمة النزاع وتعقيده:
-
مُحكَّم واحد: أسرع وأقل تكلفة، مناسب للنزاعات المتوسطة أو الواضحة أو ذات القيمة الأقل.
-
ثلاثة مُحكَّمين: أنسب للنزاعات الكبيرة والمعقدة (خصوصًا الفنية/الإنشائية/التجارية الكبرى) لأنه يحقق توازنًا أكبر وخبرة متنوعة، لكنه أعلى تكلفة وأطول زمنًا عادة.
4) هل يجوز أن يكون المُحكَّم من نفس جنسية أحد الأطراف؟
نعم يجوز من حيث الأصل، ما لم يمنعه اتفاق التحكيم أو قواعد المركز أو إذا ترتب عليه شبهة مؤثرة تمس الحياد والاستقلال.
وفي بعض العقود يفضّل الأطراف اشتراط أن يكون رئيس الهيئة من جنسية محايدة لتقليل الحساسية.
5) هل يشترط وجود شرط تحكيم مكتوب؟
نعم، يشترط أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبًا (سواء كان شرطًا داخل العقد أو مشارطة تحكيم مستقلة).
والكتابة مهمة لأنها تُثبت وجود الاتفاق، وتُحدد نطاقه وآلياته، وتمنع الجدل لاحقًا حول “هل اتفقنا أصلًا على التحكيم؟”.
6) ما معنى المُحكَّم؟
المُحكَّم هو الشخص (أو عضو هيئة التحكيم) الذي يختاره طرفا النزاع—أو يعيّنه المركز/الجهة المختصة عند تعذر الاتفاق—للفصل في النزاع وإصدار قرار تحكيم ملزم وفق اتفاق التحكيم والقواعد المطبقة.
7) ما هي وظيفة المُحكَّم؟
وظيفته الأساسية هي إدارة النزاع والتحقق من عدالة الإجراءات ثم الفصل فيه، ويشمل ذلك:
-
إدارة الإجراءات بعدل ومساواة بين الطرفين.
-
تمكين كل طرف من عرض طلباته ودفوعه والرد على خصمه.
-
فحص الأدلة، وسماع الشهود أو الاستعانة بخبير عند الحاجة.
-
إصدار قرار تحكيم مُسبب ضمن حدود اتفاق التحكيم والنظام.
8) هل المُحكَّم يُعتبر قاضيًا؟
ليس قاضيًا بالمعنى النظامي؛ لأن القاضي يستمد ولايته من الدولة مباشرة.
لكن المُحكَّم يؤدي وظيفة فصل قضائية خاصة مصدرها اتفاق الأطراف، وقراره يمكن تنفيذه عبر إجراءات التنفيذ النظامية، مع بقاء إمكانية طلب الإبطال لأسباب محددة.
الخاتمة
كلمة محكم في السياق التحكيمي تعني عمليًا المُحكَّم الذي يختاره الأطراف للفصل في نزاعهم وفق اتفاق تحكيم صحيح. وتظهر أهمية المصطلح في آثاره: طريقة التعيين، ومتطلبات الحياد والإفصاح، وحدود الصلاحيات، وصحة الإجراءات، وقوة قرار التحكيم عند التنفيذ. وأفضل حماية لأي طرف تبدأ من شرط تحكيم واضح يحدد المركز أو القواعد واللغة والمكان وآلية التعيين.
مقالات ذات صلة
مقال بعنوان: المركز السعودي للتحكيم التجاري | بدائل تسوية المنازعات
يتناول هذا المقال بدائل تسوية المنازعات التي يتيحها المركز السعودي للتحكيم التجاري، وعلى رأسها الوساطة والتسوية الودية، مع بيان متى يكون اللجوء إليها أكثر كفاءة من الاستمرار في الخصومة التحكيمية، وأثر ذلك على تقليل الوقت والتكاليف.
مقال بعنوان: الأهلية والولاية في اتفاقات التحكيم أمام المركز السعودي للتحكيم التجاري
يشرح المقال المخاطر النظامية المرتبطة بعيوب الأهلية والولاية في اتفاقات التحكيم، وكيف يمكن لخلل في هذه الجوانب أن يؤدي إلى الطعن في صحة الاتفاق أو تعطيل إجراءات التحكيم أمام المركز السعودي للتحكيم التجاري.
مقال بعنوان: المركز السعودي للتحكيم التجاري: نطاق تطبيق قواعد التحكيم وإدارة النزاعات التجارية
يستعرض هذا المقال نطاق تطبيق قواعد التحكيم في المركز السعودي للتحكيم التجاري، مع توضيح الحالات التي تسري فيها القواعد وآلية إدارتها للنزاعات التجارية، وأثر ذلك على تنظيم الإجراءات منذ بدايتها.
مقال بعنوان: شرح دليل إجراءات التحكيم في المركز السعودي للتحكيم التجاري | المحكم محمد المزين
يقدم شرحًا عمليًا لدليل إجراءات التحكيم الصادر عن المركز، مع التركيز على المراحل الأولى للتحكيم، ودور الأطراف والمسؤول الإداري، بما يساعد الشركات على فهم المسار الإجرائي قبل الدخول في النزاع.
مقال بعنوان: سباق مع الزمن داخل قاعة التحكيم: التحكيم المعجّل أمام المركز السعودي للتحكيم التجاري
يناقش هذا المقال نظام التحكيم المعجّل أمام المركز السعودي للتحكيم التجاري، موضحًا شروطه ومزاياه والحالات التي يكون فيها الخيار الأنسب لحسم النزاعات التجارية خلال مدد زمنية مختصرة.
ملخص تعريفي
محكم في التحكيم يقصد به المُحكَّم الذي يعيّنه الأطراف للفصل في النزاع بديلاً عن القضاء، وفق اتفاق تحكيم مكتوب. يشرح هذا المقال شروط المُحكَّم وصلاحياته وأسباب إبطال القرار وكيفية صياغة شرط تحكيم واضح يقلل الخلافات منذ البداية.

