ماذا يبحث عنه الخبير الهندسي في قضايا المقاولات؟ بقلم المحامي والمحكم محمد المزين

ماذا قالت المدعى عليها لإثبات عدم تنفيذ أعمال المقاولات؟

بقلم المحامي والمحكم محمد المزين

اليوم أتيحت لي فرصة الاطلاع على سابقة قضائية في نزاع يتعلق بتنفيذ مشروع مقاولات، وأكثر ما استوقفني فيها لم يكن الحكم، بل مذكرة الدفاع التي قدمتها المدعى عليها. فقد تضمنت دفوعًا فنية منظمة، ركزت على المستندات التي رأت أن غيابها ينفي تنفيذ الأعمال محل المطالبة.

دفعت المدعى عليها بأن المدعية لم تقدم خطاب الضمان البنكي المنصوص عليه في العقد، ولم تستلم الدفعة المقدمة، واعتبرت أن هذين الإجراءين يسبقان مباشرة تنفيذ الأعمال. كما تمسكت بعدم وجود محضر استلام للموقع، وذكرت أن مشاريع المقاولات تجري – في العادة – على استلام الموقع بموجب محضر يوقعه أطراف المشروع والجهة المشرفة، وأن خلو الدعوى من هذا المحضر يثير الشك في بدء التنفيذ.

وأضافت أن المدعية لم تقدم ما يثبت دخول عمالتها أو معداتها إلى الموقع، رغم أن المشروع – بحسب ما ورد في المذكرة – يتطلب تصاريح دخول، كما لم تقدم مستندات المشروع التي اعتادت شركات المقاولات على حفظها أثناء التنفيذ.

ولم تكتف المدعى عليها بذلك، بل عددت المستندات التي ترى أنها تمثل السجل التنفيذي الطبيعي لأي مشروع مقاولات، ومن ذلك أوامر شراء المواد، وفواتير الشراء، وأوراق المستودعات، وطلبات فحص المواد، واعتماد العينات، وتقارير التنفيذ، وتقارير تقدم الأعمال، وتقارير اختبارات الجودة، وطلبات استلام الأعمال، ومحاضر الاستلام، والمراسلات مع استشاري المشروع، والمستخلصات المعتمدة.

كما دفعت بأن الفواتير والخطابات التي استندت إليها المدعية لا تكفي وحدها لإثبات تنفيذ الأعمال، لأنها صادرة من المدعية نفسها ولا تحمل اعتمادًا من أطراف المشروع، وأضافت أن هناك تناقضًا في تاريخ بدء التنفيذ بين بعض مستندات المدعية وصحيفة الدعوى.

وبعد نظر الدعوى، ندبت المحكمة خبيرًا هندسيًا للتحقق من الأعمال المنفذة ودراسة المستندات المقدمة من الطرفين، وانتهى الخبير إلى عدم استحقاق المدعية للمطالبة. وقد أخذت المحكمة بتقريره، وأشارت في أسباب حكمها إلى عدم تقديم مستندات داعمة للدعوى، وعدم استلام الدفعة الأولى، وعدم تقديم خطاب الضمان، وعدم وجود محضر استلام، فضلاً عن مخالفة ما قدمته المدعية للأعراف التجارية في قطاع المقاولات.

وسواء اتفق القارئ مع جميع ما ورد في مذكرة الدفاع أو اختلف معه، فإنها تمثل مثالًا عمليًا على نوع المستندات التي يركز عليها الخصوم في منازعات المقاولات، وكيف يمكن أن تتحول المستندات الفنية إلى محور النزاع عند عرض القضية على الخبير ثم على المحكمة.