درس في الإثبات التجاري: من يبدأ أولًا المحاسب الجنائي أم المحامي التجاري؟
بقلم المحامي والمحكم محمد المزين
يتصل بك موكلك ويخبرك بأنه يشك في وجود تلاعب داخل الشركة التي يملك فيها حصة الأقلية.
يبدأ حديثه بأن القوائم المالية تظهر مبيعات ضخمة، والنشاط التجاري يتوسع عامًا بعد عام، ومع ذلك تعلن الشركة خسائر متتالية، ولا توزع أرباحًا على الشركاء. وأصدق ما يقال في مثل هذه الحال: صيتٌ بلا غنى.
بصفتك محامي الشريك، تتواصل مع المدير العام للشركة طالبًا تزويدك بالمستندات المحاسبية التي تساعدك على التحقق من صحة ما يدعيه موكلك. فيأتيك الرد بأن جميع القوائم المالية والتقارير المرسلة إلى الشركاء قد سُلِّمت لكم، وأنها كافية للإجابة عن جميع استفساراتكم.
تفكر في مخاطبة المحاسب القانوني مباشرة، لكنك تكتشف أن النظام لا يُلزمه بالإجابة على استفساراتك، ويطلب منك العودة إلى إدارة الشركة. تعود إلى المدير العام، فيؤكد لك أن القوائم المالية ومرفقاتها كافية، وأنه لا يوجد ما يدعو للقلق، ومع ذلك يوافق على مخاطبة المحاسب القانوني.
ينتظر الجميع الرد، فيأتي مختصرًا: لا توجد ملاحظات، والقوائم المالية أُعدت وفق الأصول المهنية، وكل شيء يسير على ما يرام.
تغلق الخطاب، لكنك لا تغلق الملف. فالإجابة لم تثبت وجود تلاعب، ولم تنفه، وكل ما بين يديك مجرد شك لا تستطيع أن تبني عليه دعوى، وفي المقابل لا تستطيع أن تطلب من موكلك أن يتخلى عن حقه لمجرد أن القوائم المالية بدت سليمة.
وهنا تبدأ رحلة البحث عن الحقيقة، لا عن الخصومة.
هذا الموقف يتكرر كثيرًا في عالم المحاماة، لكن المحامي الذي يتوقف عنده يخسر فرصة الوصول إلى الدليل، أما من يواصل البحث فيكتشف أن هناك تخصصًا كاملًا وُجد لهذا النوع من القضايا، وهو المحاسبة الجنائية (Forensic Accounting).
وعند التعمق في هذا المجال ستجد شركات عالمية كرّست أعمالها للتحقيقات المالية ودعم التقاضي، مثل Kroll وFTI Consulting وAlvarez & Marsal. وهناك ستدرك أن المحاسب الجنائي لا يراجع القوائم المالية فحسب، بل يبحث عما تخفيه الأرقام؛ يحلل القيود المحاسبية، ويتتبع حركة الأموال، ويفحص التعاملات مع الأطراف ذوي العلاقة، ويربط البيانات المالية بالواقع التشغيلي، ويستعين بوسائل التحليل المالي والرقمي، حتى يحول المؤشرات والشكوك إلى أدلة فنية يمكن الاستناد إليها أمام القضاء أو هيئة التحكيم.
وفي تقديري، فإن المحاسب الجنائي لا يبحث عن إدانة أحد، وإنما يبحث عن الحقيقة المالية. فإذا أثبتت الأدلة وجود تلاعب، أصبحت تلك الأدلة أساسًا يبني عليه المحامي دعواه. وإذا انتهى التحقيق إلى سلامة القوائم المالية، فقد وفر على موكله سنوات من التقاضي في دعوى تفتقر إلى الدليل.
ولعل هذا يقودنا إلى إعادة ترتيب الأدوار في بعض نزاعات الشركات؛ فالمحامي لا يبدأ دائمًا بصياغة صحيفة الدعوى، وإنما قد يبدأ بالبحث عن الدليل، والمحاسب الجنائي قد يكون أول من يفتح الطريق إليه.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق رفع الدعوى ليس: هل توجد مخالفة؟ وإنما: كيف أصل إلى الحقيقة عندما تكون جميع مفاتيحها بيد من أشك في تصرفاته؟

