هل يجيز مجرد عدم تحديد مدة عقد المقاولة طلب فسخ عقد المقاولة؟ بقلم محامي قضايا المقاولات والمحكم التجاري محمد المزين
فسخ عقد المقاولة من أكثر المسائل القانونية تعقيدًا في قضايا ومنازعات المقاولات، ولا سيما عندما يخلو العقد من تحديد مدة التنفيذ. وتزداد أهمية هذه المسألة في المشاريع الحكومية ومشاريع القطاع الخاص الكبرى، حيث قد يؤدي اختلاف تفسير النصوص النظامية إلى آثار مالية كبيرة تتعلق بتمديد مدد العقود، والمطالبات الزمنية، والتعويضات، أو طلب فسخ العقد.
وفي هذا المقال، يقدم محامي قضايا المقاولات والمحكم التجاري محمد المزين قراءة قانونية لهذه المسألة في ضوء نظام المعاملات المدنية السعودي ونظام الإثبات، مستندًا إلى مناقشات علمية بين المحامين في مكتب محمد المزين للمحاماة والتحكيم، مع ربط النصوص النظامية بالتطبيقات العملية في عقود المقاولات، وصولًا إلى الرأي القانوني الذي انتهى إليه النقاش.
ماذا ستقرأ في هذا المقال؟
فسخ عقد المقاولة من أكثر الموضوعات التي تثير النزاعات في مشاريع المقاولات الحكومية ومشاريع القطاع الخاص، ولذلك يستعرض محامي قضايا المقاولات والمحكم التجاري محمد المزين تحليلًا قانونيًا لمسألة أثر عدم تحديد مدة عقد المقاولة على حق أحد طرفيه في طلب الفسخ، في ضوء نظام المعاملات المدنية السعودي ونظام الإثبات.
ويتناول المقال تحليل المواد (65)، و(73)، و(84)، و(104) من نظام المعاملات المدنية، وبيان أثر المادة (88) من نظام الإثبات في الاستدلال بالعرف، مع ربط هذه النصوص بأمثلة عملية مستمدة من قضايا ومنازعات المقاولات، بما يعكس التطبيقات القضائية والتحكيمية التي تواجهها شركات المقاولات في المشاريع الحكومية ومشاريع القطاع الخاص.
نبذة عن الكاتب
محامي قضايا المقاولات والمحكم التجاري محمد المزين هو مؤسس مكتب محمد المزين للمحاماة والتحكيم في مدينة الرياض، ويتمتع بخبرة تتجاوز خمسة عشر عامًا في تمثيل شركات المقاولات أمام المحاكم التجارية وهيئات التحكيم، ومعالجة المنازعات الناشئة عن تنفيذ المشاريع الحكومية ومشاريع القطاع الخاص. وتشمل خبرته القضايا المتعلقة بعقود المقاولات، والمطالبات المالية، وتأخر التنفيذ، وأوامر التغيير، وتمديد مدد العقود، والتحكيم في منازعات المشاريع. ويحرص من خلال مقالاته على تقديم تحليل قانوني يجمع بين النصوص النظامية والتطبيقات العملية، بما يساعد الشركات والمستثمرين على فهم الأنظمة واتخاذ قرارات قانونية مبنية على أسس نظامية سليمة.
هل يجيز مجرد عدم تحديد مدة عقد المقاولة طلب فسخ عقد المقاولة؟
يثير فسخ عقد المقاولة بسبب عدم تحديد مدة التنفيذ تساؤلات قانونية متكررة في قضايا ومنازعات المقاولات، ويعد من المسائل التي واجهتها أكثر من مرة عند دراسة منازعات المشاريع وتمثيل شركات المقاولات. وفي هذا المقال، أستعرض هذه المسألة في ضوء نظام المعاملات المدنية السعودي ونظام الإثبات، مستندًا إلى نقاش علمي دار بين المحامين في مكتب محمد المزين للمحاماة والتحكيم، بهدف تحليل مدى تأثير خلو عقد المقاولة من تحديد مدة التنفيذ، وما إذا كان مجرد عدم النص على مدة محددة يمنح أحد طرفي العقد الحق في طلب الفسخ.
وقد انطلق هذا النقاش من عدد من النصوص النظامية الواردة في نظام المعاملات المدنية السعودي، مع الاستئناس ببعض أحكام نظام الإثبات، وانصب التركيز على منهج تفسير هذه النصوص ومدى انطباقها على عقود المقاولات، أكثر من انصرافه إلى النتيجة النهائية ذاتها. وتبرز أهمية هذه المسألة في قضايا ومنازعات المقاولات، لاسيما في المشاريع الحكومية ومشاريع القطاع الخاص، عندما يطول تنفيذ المشروع، أو تصدر أوامر تغيير، أو تطرأ تعديلات فنية تؤثر في مدة التنفيذ، مما يجعل تحديد المركز القانوني لكل طرف مسألة تتطلب قراءة متكاملة للنصوص النظامية والوقائع العملية.
الاتجاه الأول: استقرار العقود عند بحث فسخ عقد المقاولة
من خلال استعراض النصوص النظامية، أرى أن أحد الاتجاهات القانونية يميل إلى المحافظة على استقرار العقود، وعدم التوسع في فسخ عقد المقاولة أو غيره من العقود بسبب نقص يمكن للمحكمة استكماله. ويستند هذا الاتجاه إلى المادة (104) من نظام المعاملات المدنية السعودي المتعلقة بتفسير العقد والبحث عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين، وإلى المادة (73) التي تقرر سلطة المحكمة في استكمال ما يمكن تحديده إذا تضمن العقد ما يساعد على ذلك، بما يعكس توجه المنظم نحو المحافظة على استقرار العلاقات التعاقدية كلما أمكن، وعدم إهدار العقد بسبب نقص يمكن تداركه.
ومن واقع عملي في قضايا ومنازعات المقاولات، تتجلى أهمية هذا الاتجاه في المشاريع الحكومية ومشاريع القطاع الخاص الكبرى، إذ كثيرًا ما تبدأ عقود المقاولات بإطار تعاقدي عام، ثم تتطور أثناء التنفيذ بإضافة أعمال جديدة، أو تعديل نطاق العمل، أو إصدار أوامر تغيير، أو تعديل المواصفات الفنية. وفي مثل هذه الحالات، فإن التطبيق الحرفي لبعض بنود العقد قد لا يكفي للوصول إلى الإرادة المشتركة للمتعاقدين، الأمر الذي يقتضي تفسير العقد في ضوء النصوص النظامية والوقائع العملية للمشروع.
ولتقريب الصورة، قد يبرم عقد لتنفيذ مشروع بنية تحتية أو مشروع إنشائي حكومي، ثم تطرأ أثناء التنفيذ أوامر تغيير تؤثر في المسار الحرج للمشروع (Critical Path)، أو تتطلب تنفيذ أعمال إضافية لم تكن داخلة ضمن نطاق العقد الأصلي. كما قد يتأخر اعتماد المخططات التنفيذية أو تسليم أجزاء من الموقع أو اعتماد المستخلصات، وهي جميعها وقائع عملية قد تؤثر في مدة التنفيذ. وفي مثل هذه الحالات، لا أرى أن مجرد خلو العقد من تحديد مدة مستقلة لهذه الأعمال يكفي للقول بقيام سبب يبرر فسخ عقد المقاولة، بل يتعين أولًا دراسة سلوك أطراف العقد، ووثائق المشروع، ومدى إمكانية استكمال هذا النقص بالوسائل التي رسمها النظام، وهو ما يظهر بصورة متكررة في قضايا ومنازعات المقاولات المعروضة أمام المحاكم التجارية وهيئات التحكيم.
الاتجاه الثاني: هل تنطبق المادة (73) على فسخ عقد المقاولة؟
وفي المقابل، أرى أن اتجاهًا آخر يستحق الوقوف عنده؛ إذ اعترض على هذا الاستدلال، مبينًا أن المادة (73) من نظام المعاملات المدنية السعودي تتناول محل الالتزام، ولا تعالج مدة العقد، ومن ثم لا يصح القياس عليها في مسألة تحديد مدة التنفيذ. ويستند هذا الاتجاه إلى أن المرجع النظامي الأقرب لهذه المسألة هو الأحكام الخاصة بعقد المقاولة، لا القواعد العامة، لأن النص الخاص هو الأولى بالتطبيق متى وجد، ولا سيما في عقود المقاولات التي تتميز بطبيعة فنية وهندسية تختلف عن غيرها من العقود المدنية.
ومن وجهة نظري، فإن قوة هذا الاتجاه تكمن في أنه يبدأ بتحرير محل النزاع قبل البحث عن الحل النظامي. ولذلك يرى أنصار هذا الاتجاه أن بحث فسخ عقد المقاولة ينبغي أن يبدأ من النصوص الخاصة التي نظم بها نظام المعاملات المدنية السعودي عقد المقاولة، قبل الرجوع إلى القواعد العامة في تفسير العقود، تطبيقًا لقاعدة تقديم النص الخاص على النص العام متى اتحد محل التطبيق.
وتزداد أهمية هذا الطرح في قضايا ومنازعات المقاولات؛ لأن توصيف النص النظامي الواجب التطبيق قد ينعكس مباشرة على نتيجة النزاع، سواء تعلق الأمر بالمطالبة بتمديد مدة التنفيذ، أو التعويض عن التأخير، أو المطالبة بـ فسخ عقد المقاولة، وهو ما يجعل تحديد الأساس النظامي الصحيح خطوة تسبق مناقشة الوقائع الفنية للمشروع.
أثر المادة (65) في فسخ عقد المقاولة
أرى أن المادة (65) من نظام المعاملات المدنية السعودي تمثل النص النظامي الأكثر ارتباطًا بهذه المسألة، لأنها تعالج بصورة مباشرة حالة خلو عقد المقاولة من تحديد مدة التنفيذ. فقد نصت المادة على أنه إذا لم يتفق على مدة لإنجاز العمل، أو خلا العقد من تحديدها، التزم المقاول بإنجاز العمل وفق الأصول المتعارف عليها وخلال المدة المعقولة التي تقتضيها طبيعة العمل. ومن خلال قراءة هذا النص، يتبين أن المنظم لم يجعل عدم تحديد مدة التنفيذ سببًا مستقلًا يبرر فسخ عقد المقاولة، وإنما وضع معيارًا نظاميًا لسد هذا الفراغ، يقوم على العرف، وطبيعة العمل، والمدة المعقولة.
ومن واقع خبرتي في تمثيل شركات المقاولات، تبرز أهمية المادة (65) في المشاريع الحكومية ومشاريع القطاع الخاص الكبرى، حيث قد يتأخر تنفيذ المشروع بسبب تأخر تسليم الموقع، أو اعتماد المخططات التنفيذية (Shop Drawings)، أو اعتماد المواد (Material Submittals)، أو صدور أوامر تغيير (Variation Orders)، أو تعديل نطاق الأعمال أثناء التنفيذ. وفي مثل هذه الحالات، لا يمكن تقييم مدى التزام المقاول بمجرد مقارنة تاريخ التنفيذ بتاريخ معين، إذا كان العقد قد خلا أصلًا من تحديد مدة التنفيذ أو طرأت عليه ظروف أثرت في البرنامج الزمني للمشروع.
كما تظهر القيمة العملية لهذا النص في قضايا ومنازعات المقاولات عندما يطالب أحد طرفي العقد بـ فسخ عقد المقاولة استنادًا إلى طول مدة التنفيذ. ففي تقديري، لا يكفي مجرد تجاوز فترة زمنية معينة للوصول إلى هذه النتيجة، بل يجب أولًا تحليل أسباب التأخير، وتحديد الطرف المسؤول عنها، ودراسة مستندات المشروع، بما في ذلك البرنامج الزمني، وأوامر التغيير، ومحاضر الاجتماعات، والمراسلات، واعتمادات الاستشاري، قبل بناء أي رأي قانوني بشأن استمرار العقد أو فسخه. ومن هنا تتجلى الأهمية العملية للمادة (65)، لأنها تربط الحكم النظامي بواقع تنفيذ المشروع، وليس بمجرد غياب النص على مدة التنفيذ.
دور العرف في تحديد مدة التنفيذ
أرى أن من أهم ما يلفت النظر في المادة (65) من نظام المعاملات المدنية السعودي أنها لم تكتفِ بالنص على المدة المعقولة، وإنما أحالت أيضًا إلى معيار “الأصول المتعارف عليها”، وهو ما يفتح المجال للرجوع إلى العرف عند تقدير مدة تنفيذ عقد المقاولة. ومن هنا، برز أثناء النقاش اتجاه يرى أن الاستناد إلى المادة (88) من نظام الإثبات يكون في محله؛ لأنها تجيز الإثبات بالعرف أو العادة فيما لم يرد فيه نص خاص أو اتفاق بين الأطراف، بما لا يخالف النظام العام.
ومن وجهة نظري، فإن أهمية العرف في قضايا ومنازعات المقاولات لا تقتصر على كونه وسيلة لتفسير العقد، وإنما تمتد إلى استكمال ما سكت عنه المتعاقدان فيما يتعلق بمدة التنفيذ وآلية تقديرها. فالعرف في عقود المقاولات يشمل الممارسات الفنية المستقرة في القطاع، مثل المدد المعتادة لاعتماد المخططات التنفيذية (Shop Drawings)، واعتماد المواد (Material Submittals)، وإجراءات اعتماد المستخلصات، والفترات اللازمة لتنفيذ الأعمال الإضافية الناتجة عن أوامر التغيير (Variation Orders). وهذه جميعها عناصر قد يكون لها أثر مباشر في تقدير مدى التزام المقاول، وفي تحديد ما إذا كانت ظروف المشروع تبرر استمرار العقد أو تدعم المطالبة بـ فسخ عقد المقاولة.
ومن واقع الخبرة العملية في منازعات المشاريع، قد يجد القضاء أو هيئة التحكيم أن العقد خلا من تنظيم مسألة معينة تتعلق بمدة التنفيذ، إلا أن الممارسة المستقرة في قطاع المقاولات تقدم معيارًا فنيًا يمكن الاستناد إليه عند الفصل في النزاع. ولذلك، فإن تطبيق المادة (88) من نظام الإثبات إلى جانب المادة (65) من نظام المعاملات المدنية يمنح المحكمة أو هيئة التحكيم أساسًا نظاميًا للاستناد إلى الأعراف الفنية السائدة، عند تقدير مدى معقولية مدة التنفيذ أو بحث الأسباب التي يستند إليها طلب فسخ عقد المقاولة.
تفسير العقد في ضوء المادة (84)
أرى أن المادة (84) من نظام المعاملات المدنية السعودي تمثل إحدى الركائز الأساسية عند تفسير عقود المقاولات، لأنها توجب البحث عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين متى كان هناك محل للتفسير، مع الاستهداء بالعرف، وطبيعة المعاملة، وما جرى عليه تعامل الطرفين. ويؤكد هذا النص أن النقص في بعض شروط العقد لا يؤدي تلقائيًا إلى زواله أو فسخ عقد المقاولة، وإنما يقتضي استكماله بالوسائل التي رسمها النظام للوصول إلى الإرادة الحقيقية التي اتجهت إليها إرادة المتعاقدين.
ومن واقع عملي في قضايا ومنازعات المقاولات، كثيرًا ما يتجاوز تفسير العقد مجرد قراءة بنوده المكتوبة، إذ تلجأ المحاكم التجارية وهيئات التحكيم إلى دراسة المراسلات المتبادلة، ومحاضر الاجتماعات، والبرامج الزمنية، وتقارير الاستشاري، وأوامر التغيير، وسلوك أطراف العقد أثناء التنفيذ، باعتبارها جميعًا قرائن تساعد على استظهار الإرادة المشتركة قبل ترتيب أي أثر قانوني يتعلق باستمرار العقد أو فسخ عقد المقاولة.
وتتجلى أهمية ذلك بصورة أوضح في المشاريع الحكومية ومشاريع القطاع الخاص الكبرى، حيث قد يوافق صاحب المشروع عمليًا على تمديد مدة التنفيذ من خلال اعتماده برامج زمنية محدثة، أو إصداره أوامر تغيير متتابعة، أو استمراره في اعتماد المستخلصات بعد انتهاء المدة الأصلية للعقد، دون إبداء اعتراض على استمرار التنفيذ. وفي مثل هذه الحالات، قد تكشف وثائق المشروع عن إرادة تعاقدية تختلف عما قد يفهم من القراءة المجردة لنصوص العقد، وهو ما يجعل المادة (84) من نظام المعاملات المدنية السعودي ذات أهمية بالغة في الوصول إلى التكييف النظامي الصحيح للنزاع.
ومن ثم، فإن تفسير عقد المقاولة لا يقف عند حدود النصوص المكتوبة، وإنما يمتد إلى دراسة جميع التصرفات والوثائق التي صاحبت تنفيذ المشروع، لأن الإرادة المشتركة للمتعاقدين قد تظهر من سلوكهما العملي بقدر ما تظهر من ألفاظ العقد نفسها، وهو ما ينعكس مباشرة على تقدير مدى قيام الأسباب النظامية التي قد يستند إليها طلب فسخ عقد المقاولة أو رفضه.
الأسئلة الشائعة
هل يجيز مجرد عدم تحديد مدة عقد المقاولة طلب فسخه؟
ناقش هذا المقال مدى تأثير عدم تحديد مدة التنفيذ في فسخ عقد المقاولة في ضوء نظام المعاملات المدنية السعودي، وانتهى إلى أن مجرد خلو العقد من تحديد مدة التنفيذ لا يكفي – في ذاته – لقيام سبب نظامي يبرر الفسخ. وإنما يتعين أولًا تطبيق الأحكام الخاصة بعقد المقاولة، ثم دراسة ظروف المشروع، ومستنداته، وأسباب التأخير، قبل الوصول إلى التكييف النظامي الصحيح.
لماذا تعد المادة (65) من نظام المعاملات المدنية أساسًا في بحث فسخ عقد المقاولة؟
لأن المادة (65) من نظام المعاملات المدنية السعودي عالجت صراحة حالة عدم الاتفاق على مدة لإنجاز العمل، أو خلو عقد المقاولة من تحديدها، فأوجبت على المقاول إنجاز العمل وفق الأصول المتعارف عليها وخلال المدة المعقولة التي تقتضيها طبيعة العمل. ولذلك تمثل هذه المادة الأساس النظامي عند بحث أثر عدم تحديد مدة التنفيذ في قضايا ومنازعات المقاولات.
لماذا اعترض بعض المحامين على الاستناد إلى المادة (73) من نظام المعاملات المدنية؟
لأن هذا الاتجاه يرى أن المادة (73) تعالج محل الالتزام، ولا تتناول مدة عقد المقاولة، ومن ثم لا يصح القياس عليها عند بحث أثر عدم تحديد مدة التنفيذ. ولذلك يرى أصحاب هذا الاتجاه أن البداية الصحيحة تكون بالرجوع إلى الأحكام الخاصة بعقد المقاولة قبل تطبيق القواعد العامة في تفسير العقود.
ما المقصود بالمدة المعقولة في عقد المقاولة؟
المدة المعقولة هي المدة التي تتناسب مع طبيعة المشروع، وحجم الأعمال، وظروف التنفيذ، والأصول المتعارف عليها في قطاع المقاولات. ويختلف تقديرها من مشروع إلى آخر بحسب الوقائع الفنية، ومدى وجود أوامر تغيير، أو تأخر في تسليم الموقع، أو اعتماد المخططات التنفيذية، أو غيرها من الظروف المؤثرة في سير المشروع.
ما دور العرف في عقود المقاولات؟
تناول المقال أثر عبارة “وفق الأصول المتعارف عليها” الواردة في المادة (65) من نظام المعاملات المدنية السعودي، وبيّن أن العرف قد يكون وسيلة نظامية لاستكمال ما سكت عنه العقد، بالاستناد إلى المادة (88) من نظام الإثبات. وفي قطاع المقاولات يشمل العرف الممارسات الفنية المستقرة، مثل مدد اعتماد المخططات التنفيذية، واعتماد المواد، والمستخلصات، وتنفيذ الأعمال الإضافية، وهي عناصر قد يكون لها أثر مباشر في تقدير مدى التزام المقاول بالعقد.
لماذا يعد تفسير العقد مهمًا في منازعات المقاولات؟
لأن الفصل في قضايا ومنازعات المقاولات لا يقتصر على قراءة نصوص العقد، وإنما يمتد إلى دراسة المراسلات، ومحاضر الاجتماعات، والبرامج الزمنية، وأوامر التغيير، وتقارير الاستشاري، وسلوك أطراف العقد أثناء التنفيذ، وذلك لاستظهار الإرادة المشتركة للمتعاقدين قبل تقرير أي أثر قانوني يتعلق باستمرار العقد أو فسخ عقد المقاولة.
هل تختلف معالجة عدم تحديد مدة التنفيذ بين المشاريع الحكومية ومشاريع القطاع الخاص؟
الأصل أن المبادئ التي تناولها نظام المعاملات المدنية السعودي تسري على عقود المقاولات بوجه عام، إلا أن التطبيق العملي قد يختلف باختلاف طبيعة المشروع والعقد والوثائق المنظمة للعلاقة بين أطرافه. ففي المشاريع الحكومية قد تؤثر مستندات المنافسة، وأوامر التغيير، وآليات اعتماد الأعمال، وإجراءات الجهة المالكة في تقييم مدة التنفيذ، بينما قد تختلف هذه الآليات في مشاريع القطاع الخاص بحسب ما اتفق عليه الأطراف. ولذلك فإن تقدير ما إذا كانت ظروف المشروع تبرر فسخ عقد المقاولة أو استمرارها لا يمكن أن يبنى على مجرد عدم تحديد مدة التنفيذ، وإنما يتطلب دراسة العقد، ووثائق المشروع، وأسباب التأخير، وسلوك أطراف العلاقة التعاقدية في كل حالة على حدة.
الخلاصة
من خلال استعراض المواد (65)، و(73)، و(84)، و(104) من نظام المعاملات المدنية السعودي، إلى جانب المادة (88) من نظام الإثبات، أرى أن مجرد عدم تحديد مدة التنفيذ في عقد المقاولة لا يكفي – في ذاته – لقيام سبب نظامي يبرر فسخ عقد المقاولة. وإنما يتعين البدء بتطبيق الأحكام الخاصة بعقد المقاولة، ثم تفسير العقد في ضوء الإرادة المشتركة للمتعاقدين، والاستعانة بالعرف متى أجاز النظام ذلك، مع دراسة ظروف المشروع، ووثائقه، وأسباب التأخير، وسلوك أطراف العلاقة التعاقدية قبل الوصول إلى أي تكييف قانوني.
ومن واقع الخبرة في قضايا ومنازعات المقاولات، فإن الفصل في هذا النوع من النزاعات لا يتحقق بقراءة نص نظامي واحد بمعزل عن غيره، بل يتطلب قراءة متكاملة تجمع بين النصوص النظامية، والوثائق التعاقدية، والوقائع الفنية للمشروع. ولهذا، فإن كل نزاع مقاولة يظل حالة قانونية مستقلة تستوجب دراسة دقيقة لعقد المشروع، ومستنداته، وظروف تنفيذه، قبل تقرير ما إذا كانت الوقائع تبرر استمرار العلاقة التعاقدية أو فسخ عقد المقاولة.

