أتعاب المحاماة والمماطلة في المنازعات التحكيمية

تُعد أتعاب المحاماة والمماطلة في المنازعات التحكيمية من أكثر الموضوعات العملية حساسية في البيئة التجارية، لأنها تمسّ التوازن بين حق الدائن في التعويض عن الضرر، وحق المدين في استعمال الوسائل النظامية دون تعسّف. وفي الواقع، تتفاقم الإشكالية عندما تكون العلاقة محكومة بشرط تحكيم: هل تبقى المطالبة بأتعاب المحاماة داخل التحكيم أم يمكن طرق باب المحكمة؟ وهل تُعد أتعاب المحاماة ضررًا معتادًا قابلًا للتعويض إذا ثبتت المماطلة؟ الحكم محل القراءة – حكم المحكمة التجارية بالرياض رقم (4471106494) الصادر من الدائرة الخامسة عشرة والمؤيد استئنافًا من الدائرة الخامسة بتاريخ 18/07/1445هـ – قدّم معالجة عملية تُفيد الشركات في ضبط المخاطر والحقوق في نزاعات التحكيم.


ماذا ستقرأ في هذا المقال؟

  • متى تُعد أتعاب المحاماة ضررًا قابلًا للتعويض بسبب المماطلة؟
  • ما أثر شرط التحكيم على اختصاص المحكمة بنظر دعوى أتعاب المحاماة؟
  • لماذا لا تُساوي المحكمة بين “قيمة المطالبة” و”قيمة التعويض” عن الأتعاب؟
  • كيف نفرّق بين أتعاب التحكيم وأتعاب المحاماة؟
  • ما الدروس العملية للشركات لصياغة العقود وإدارة النزاع دون خسائر إضافية؟

نبذة عن إدارة مكتب محمد المزين للمحاماة والتحكيم

تأسس مكتب محمد المزين للمحاماة على يد المحامي والمحكَّم محمد المزيّن العضو الاساسي في الهيئة السعودية للمحامين وعضو المجمع الملكي البريطاني للمحكمين بخبرة مهنية تمتد لأكثر من خمسة عشر عامًا في المجال القانوني. ويختص المكتب بقضايا المقاولات، والنزاعات الإنشائية، والعقود الحكومية، وعقود الامتياز التجاري، إضافة إلى تقديم الاستشارات القانونية للشركات بمختلف قطاعاتها. كما يحمل الأستاذ محمد المزيّن درجة البكالوريوس في الحقوق من جامعة الملك سعود بالرياض عام 2009م.


هل تُعد أتعاب المحاماة “ضررًا” قابلاً للتعويض في المنازعات التحكيمية؟

نعم، متى ثبت أن أتعاب المحاماة لم تنشأ لمجرد رغبة اختيارية في التوكيل، بل ترتبت كأثر معتاد بسبب سلوك الطرف الآخر، وعلى وجه أخص المماطلة أو الامتناع عن الوفاء بحق ثابت أو مقَرّ به، أو اتخاذ مسار يطيل تحصيل الحق دون مسوغ معتبر.
والأهمية هنا ليست في تسمية السلوك، بل في معيار المحكمة: هل كان النزاع في جوهره نتيجة تأخير غير مبرر بعد ثبوت الحق أو إقرار المدين به؟ فإذا توافر ذلك، فإن لجوء الدائن للإجراءات – بما فيها التحكيم وما يتبعه – يصبح نتيجة طبيعية، وتغدو الأتعاب جزءًا من الضرر المعتاد الذي يقدّر للتعويض.

وفي الحكم رقم (4471106494)، استندت المحكمة – بحسب ما يظهر من منطق الأسباب – إلى تسلسل وقائع يُفهم منه أن المدعى عليها كانت على علم بالدين وأقرت به عبر مطابقة الرصيد في تاريخ سابق، ثم تأخر الوفاء، وتفاقمت الإجراءات من نزاع حول تعيين المحكم وسداد الأتعاب، ثم صدر حكم تحكيمي لصالح المدعية، أعقبته دعوى بطلان، ثم انتهى الأمر إلى تأييد الحكم التحكيمي. هذا المسار، متى قامت الدلالة على أن سبب امتداده هو المماطلة أو الامتناع غير المبرر، يصبح مسوغًا لتعويض الضرر المعتاد، ومنه أتعاب المحاماة.

الخلاصة العملية: أتعاب المحاماة ليست “مصاريف ترف” في ميزان القضاء التجاري، بل قد تُكيَّف كضرر متى قامت قرائن المماطلة ووضوح الحق، وظهر أن الإجراءات لم تكن لتقع لولا سلوك الطرف المماطل.


هل يمنع شرط التحكيم المطالبة بأتعاب المحاماة أمام المحكمة التجارية؟

لا، شرط التحكيم لا يعمل كحاجز مطلق يمنع المحكمة من نظر أي مطالبة متصلة بالنزاع. المعيار الأدق هو نطاق ما اتفق عليه الطرفان، ونطاق ما بُت فيه تحكيميًا بصورة نهائية.
فإذا كانت أتعاب المحاماة داخلة صراحة ضمن ما تختص به هيئة التحكيم وفق الشرط أو وفق ما اعتمدته الهيئة، فالأصل أن تُطرح أمامها. أما إذا قضت هيئة التحكيم بعدم اختصاصها بنظر أتعاب المحاماة، واستقر هذا القضاء ولم يُطعن عليه في حدوده المقررة، فإن الدفع أمام المحكمة بـ “وجود شرط تحكيم” لا يكون وسيلة لتعطيل المطالبة، لأن المسألة – عمليًا – قد حُسمت في شقّ الاختصاص، وأصبح الطريق القضائي هو المسار المتاح للمطالبة.

وفي الحكم رقم (4471106494)، تمسكت المدعى عليها بأن أتعاب المحاماة تُعد من “المصاريف” المترتبة على التحكيم، وأن الاختصاص ينعقد لهيئة التحكيم. غير أن المحكمة – وأيدتها محكمة الاستئناف – بنت موقفها على نقطة فاصلة: هيئة التحكيم قضت بعدم اختصاصها بأتعاب المحاماة ولم يُسجل طعن بالبطلان على هذه الجزئية. ومن ثم لا يستقيم أن يُعاد إحياء الدفع ذاته لإغلاق باب المطالبة أمام المحكمة، لأن النتيجة العملية ستكون حرمانًا من التقاضي في مطالبة لم تُفصل تحكيميًا من حيث الموضوع.

الخلاصة العملية: ليس السؤال “هل يوجد شرط تحكيم؟” بل السؤال “هل هذه المطالبة ظلّت داخل ولاية التحكيم أم خرجت عنها بقضاء تحكيمي مستقر؟”.


الاستشارات القانونية

تُظهر دعاوى أتعاب المحاماة والمماطلة في المنازعات التحكيمية أن المسألة ليست مجرد مطالبة رقمية، بل بناء قانوني يتطلب ضبط الاختصاص، وتكييف المماطلة، وإثبات رابطة السببية بين سلوك الطرف المماطل والضرر. وللحصول على استشارة قانونية متخصصة في تمثيل الشركات أمام المحاكم التجارية للمطالبة بأتعاب المحاماة، يمكنك التواصل مع مكتب المحامي محمد المزيّن للمحاماة والتحكيم بخبرة عملية تمتد لأكثر من خمسة عشر عامًا في الترافع التجاري وصياغة المطالبات التعويضية على أسس قضائية.للمزيد نرجو الاتصال على رقم 0590098800 .


كيف تقيّم المحكمة مقدار أتعاب المحاماة؟ ولماذا لا تحكم بكامل مبلغ المطالبة؟

من أهم ما يرسخه الحكم رقم (4471106494) أن ثبوت أصل الاستحقاق لا يعني آليًا الحكم بكامل المبلغ المطلوب. فالمحكمة تتعامل مع أتعاب المحاماة – حين تُكيف كتعويض – بمنطق التعويض لا بمنطق “الفاتورة”.
بعبارة أوضح: عقد الأتعاب بين الشركة ومحاميها ينظم العلاقة بينهما، لكنه لا يُلزم الخصم تلقائيًا بالقيمة ذاتها؛ لأن التقدير القضائي يقوم على عناصر موضوعية تتعلق بملابسات النزاع، ومن ذلك:

  • حجم العمل القانوني الفعلي المبذول وتعدد مراحله.
  • عدد الدعاوى والإجراءات المرتبطة التي اضطر المتضرر لخوضها لتحصيل حقه.
  • قيمة النزاع وآثاره التجارية، ومدى تعقيده، وطول أمده.
  • مدى اتصال الأتعاب بسلوك الطرف المماطل اتصالًا مباشرًا، لا بمجرد وجود خصومة.

وفي وقائع الحكم، رغم مطالبة المدعية بمبلغ يتجاوز (380 ألف ريال)، انتهت المحكمة إلى إلزام المدعى عليها بمبلغ (145,000) ريال فقط، ورفضت ما زاد، ثم جاء تأييد الاستئناف ليعزز أن معيار المحكمة ليس “مبلغ المطالبة” بل “القدر العادل للتعويض” بحسب الملابسات.

الخلاصة العملية للشركات: نجاح الدعوى لا يعتمد على رقم كبير، بل على ملف مُحكم يشرح لماذا كانت الإجراءات لازمة، وما الذي تسبب فيها، وما الذي يجعل التعويض مطلوبًا بقدر معقول ومقنع.


ما الفرق بين أتعاب التحكيم وأتعاب المحاماة؟ ولماذا يهم هذا الفرق الشركات؟

التمييز بين النوعين ليس ترفًا نظريًا، بل نقطة تحسم الاختصاص وتؤثر على استراتيجية النزاع:

  • أتعاب التحكيم: مثل أتعاب المحكمين ورسوم المركز وأمانة السر ونفقات إدارة الجلسات. وهي بطبيعتها ملازمة لإجراء التحكيم وغالبًا تدخل ضمن مصاريفه التي تفصل فيها هيئة التحكيم وفق قواعدها وما يطلبه الأطراف.
  • أتعاب المحاماة: نفقات التمثيل القانوني والاستشارات وصياغة المذكرات والمرافعات والمتابعة. وهذه قد تُحكم داخل التحكيم إذا كانت داخلة ضمن المصاريف أو نص عليها الاتفاق أو قواعد المركز، وقد تخرج إذا قضت الهيئة بعدم اختصاصها أو لم تتناولها ضمن ولايتها.

أهمية الفرق للشركات تظهر عند صياغة عقودها: فإذا رغبت الشركة في أن تُحسم أتعاب المحاماة داخل التحكيم، فعليها صياغة بند واضح يقرر ذلك ويبين معيار التحميل. أما إذا تُركت الصياغة عامة أو مقيدة بمصاريف التحكيم فقط، فقد تنشأ فجوة عملية تنتقل بسببها مطالبة أتعاب المحاماة إلى المحكمة التجارية، كما توحي به دلالة الحكم محل القراءة.


ما الدلالة العملية للحكم على سلوك الشركات في السوق؟

الحكم يحمل رسالة سوقية وقضائية واضحة: المماطلة مكلفة، وقد لا تقف تبعاتها عند أصل الحق أو الدين، بل قد تمتد إلى تعويضات تشمل ما تكبده صاحب الحق من أضرار معتادة لتحصيله، ومنها أتعاب المحاماة عند تحقق موجباتها.
كما أنه يضع الشركات أمام درس إداري وقانوني مهم: النزاعات لا تُدار بالحد الأدنى من الالتزام، بل تُدار بوعي لمخاطر الإجراءات المتتابعة. فحين يثبت الحق أو يُقر به، يصبح التأخير غير المبرر بابًا لمطالبات تعويضية متنامية. وحين يوجد شرط تحكيم، ينبغي ضبط نطاقه بعناية حتى لا تتحول الجزئيات غير المحسومة إلى نزاعات موازية أمام القضاء.

ومن زاوية مهنية، فإن هذا النوع من القضايا يتطلب خبرة ترافعية متخصصة: لأن الحكم بأتعاب المحاماة لا يُبنى على “الطلب” وحده، بل على ملف يثبت المماطلة، ويؤصل الاختصاص، ويقدم تقديرًا معقولًا مدعومًا بوقائع وإجراءات وتكييف قانوني منضبط، وهو ما يميز الترافع التجاري الاحترافي عن الدعاوى النمطية.


الأسئلة الشائعة 

1) هل أتعاب المحاماة تُحكم دائمًا للطرف الفائز؟

لا. تُحكم متى اقتنعت المحكمة بتوافر موجب التعويض، مثل المماطلة أو التسبب في إطالة تحصيل الحق، وبقدر تقدره المحكمة وفق ملابسات الدعوى.

2) هل وجود شرط تحكيم يعني أن المحكمة غير مختصة نهائيًا بأتعاب المحاماة؟

ليس بالضرورة. يتوقف ذلك على نطاق شرط التحكيم، وعلى ما إذا كانت هيئة التحكيم قد فصلت في الاختصاص أو استبعدت نظر هذه المطالبة.

3) هل يكفي تقديم عقد الأتعاب لإلزام الخصم بالمبلغ كاملًا؟

لا يكفي وحده غالبًا. المحكمة تقّدر التعويض بميزان العدالة والضرورة والسببية، وقد تحكم بجزء من المبلغ وترد الباقي.

4) ما أهم ما يجب إثباته في دعوى أتعاب المحاماة؟

إثبات ثبوت الحق أو قوته، ووجود مماطلة أو سبب أدى لإطالة التحصيل دون مسوغ معتبر، ورابطة السببية بين هذا السلوك وتحمّل الأتعاب.

5) هل يمكن المطالبة بأتعاب المحاماة بعد انتهاء التحكيم؟

نعم في حالات، خصوصًا إذا لم تفصل هيئة التحكيم في هذه المطالبة أو قضت بعدم اختصاصها بها، وبحسب ما يستقر عليه المسار الإجرائي في القضية.


الخاتمة

يؤكد حكم المحكمة التجارية بالرياض رقم (4471106494) والمؤيد استئنافًا بتاريخ 18/07/1445هـ اتجاهًا عمليًا مهمًا في القضاء التجاري: أتعاب المحاماة قد تُعد ضررًا معتادًا قابلاً للتعويض إذا ثبتت المماطلة أو الامتناع غير المبرر عن الوفاء بحق ثابت أو مقرّ به، مع بقاء تقدير مقدار التعويض بيد المحكمة وفق عناصر موضوعية وميزان العدالة. كما يوضح الحكم أن شرط التحكيم لا يمنع المحكمة تلقائيًا من نظر دعوى أتعاب المحاماة متى خرجت هذه الجزئية عن ولاية التحكيم بقضاء تحكيمي مستقر. والنتيجة العملية للشركات واضحة: الإدارة المنضبطة للالتزامات وتقليل التسويف، وصياغة بنود التحكيم بدقة، يقللان من مخاطر التعويضات وتعدد المسارات.


مقالات ذات صلة

مقال بعنوان: المركز السعودي للتحكيم التجاري | بدائل تسوية المنازعات
يتناول هذا المقال بدائل تسوية المنازعات التي يتيحها المركز السعودي للتحكيم التجاري، وعلى رأسها الوساطة والتسوية الودية، مع بيان متى يكون اللجوء إليها أكثر كفاءة من الاستمرار في الخصومة التحكيمية، وأثر ذلك على تقليل الوقت والتكاليف.

مقال بعنوان: الأهلية والولاية في اتفاقات التحكيم أمام المركز السعودي للتحكيم التجاري
يشرح المقال المخاطر النظامية المرتبطة بعيوب الأهلية والولاية في اتفاقات التحكيم، وكيف يمكن لخلل في هذه الجوانب أن يؤدي إلى الطعن في صحة الاتفاق أو تعطيل إجراءات التحكيم أمام المركز السعودي للتحكيم التجاري.

مقال بعنوان: المركز السعودي للتحكيم التجاري: نطاق تطبيق قواعد التحكيم وإدارة النزاعات التجارية
يستعرض هذا المقال نطاق تطبيق قواعد التحكيم في المركز السعودي للتحكيم التجاري، مع توضيح الحالات التي تسري فيها القواعد وآلية إدارتها للنزاعات التجارية، وأثر ذلك على تنظيم الإجراءات منذ بدايتها.

مقال بعنوان: شرح دليل إجراءات التحكيم في المركز السعودي للتحكيم التجاري | المحكم محمد المزين
يقدم شرحًا عمليًا لدليل إجراءات التحكيم الصادر عن المركز، مع التركيز على المراحل الأولى للتحكيم، ودور الأطراف والمسؤول الإداري، بما يساعد الشركات على فهم المسار الإجرائي قبل الدخول في النزاع.

مقال بعنوان: سباق مع الزمن داخل قاعة التحكيم: التحكيم المعجّل أمام المركز السعودي للتحكيم التجاري
يناقش هذا المقال نظام التحكيم المعجّل أمام المركز السعودي للتحكيم التجاري، موضحًا شروطه ومزاياه والحالات التي يكون فيها الخيار الأنسب لحسم النزاعات التجارية خلال مدد زمنية مختصرة.


تعريفية مختصرة

تناقش هذه القراءة القانونية مبدأ التعويض عن أتعاب المحاماة والمماطلة في المنازعات التحكيمية وفق حكم المحكمة التجارية بالرياض رقم (4471106494) المؤيد استئنافًا بتاريخ 18/07/1445هـ. وتوضح أن أتعاب المحاماة قد تُحكم كضرر معتاد عند ثبوت المماطلة، مع خضوع تقديرها لسلطة المحكمة، وعدم اعتبار شرط التحكيم مانعًا مطلقًا إذا خرجت المطالبة عن ولاية التحكيم بقضاء مستقر.